النووي

78

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين ( تحقيق الفحل )

19 - باب فيمن سن سنة حسنة أَوْ سيئة قَالَ الله تَعَالَى : { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا } [ الفرقان : 74 ] ، وَقالَ تَعَالَى : { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } [ الأنبياء : 73 ] . 171 - عن أَبي عمرو جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - قَالَ : كنا في صَدْرِ النَّهَارِ عِنْدَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَجَاءهُ قَومٌ عُرَاةٌ مُجْتَابي النِّمَار أَوْ العَبَاء ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوف ، عَامَّتُهُمْ من مُضر بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ ، فَتَمَعَّرَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رَأَى بِهِمْ مِنَ الفَاقَة ( 1 ) ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ ، فَأَمَرَ بِلالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ، فصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ ، فَقَالَ : « { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } إِلَى آخر الآية : { إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [ النساء : 1 ] ، والآية الأُخْرَى التي في آخر الحَشْرِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ } [ الحشر : 18 ] تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ ، مِنْ دِرهمِهِ ، مِنْ ثَوبِهِ ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ - حَتَّى قَالَ - وَلَوْ بِشقِّ تَمرَةٍ » فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعجَزُ عَنهَا ، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأيْتُ كَومَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ ، حَتَّى رَأيْتُ وَجْهَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَهَلَّلُ كَأنَّهُ مُذْهَبَةٌ . فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم : « مَنْ سَنَّ في الإسلامِ سنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُهَا ، وَأجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ ، مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورهمْ شَيءٌ ، وَمَنْ سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيهِ وِزْرُهَا ، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ ، مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أوْزَارِهمْ شَيءٌ » ( 2 ) رواه مسلم . ( 3 ) - [ 79 ] - قَولُهُ : « مُجْتَابِي النِّمَارِ » هُوَ بالجيم وبعد الألِف باءٌ مُوَحَّدَةٌ ، والنِّمَارِ جَمْعُ نَمِرَةٍ وَهِيَ كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ مُخَطَّطٌ . وَمَعْنَى « مُجْتَابِيهَا » ، أي : لاَبِسيهَا قَدْ خَرَقُوهَا في رُؤوسِهِم . وَ « الجَوْبُ » القَطْعُ ، ومِنْهُ قَولُهُ تعالى : { وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ } [ الفجر : 9 ] أي نَحتُوهُ وَقَطَعُوهُ . وَقَولُهُ : « تَمَعَّرَ » هُوَ بالعين المهملة : أيْ تَغَيَّرَ . وَقَولُهُ : « رَأَيْتُ كَوْمَينِ » بفتح الكافِ وَضَمِّهَا : أي صُبْرَتَيْنِ . وَقَولُهُ : « كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ » هُوَ بالذال المُعْجَمَةِ وفتح الهاءِ والباءِ الموحَّدةِ قالَهُ القاضي عِيَاضٌ وَغَيرُهُ وَصَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ ، فَقَالَ : « مُدْهُنَةٌ » بدَال مهملة وَضَمِّ الهاءِ وبالنونِ وكذا ضبطه الحميدي ( 4 ) . والصحيح المشهور هُوَ الأول . والمراد بهِ عَلَى الوجهين : الصفاءُ والاستنارة .

--> ( 1 ) أي شدة الاحتياج . دليل الفالحين 2 / 237 . ( 2 ) قال النووي في شرح صحيح مسلم 4 / 110 ( 1017 ) : « فيه الحث على الابتداء بالخيرات وسن السنن الحسنات ، والتحذير من اختراع الأباطيل والمستقبحات » . ( 3 ) أخرجه : مسلم 3 / 86 ( 1017 ) ( 69 ) . ( 4 ) الجمع بين الصحيحين 1 / 327 ( 506 ) .